الجمعة، 30 يناير، 2009

فن النحت

النحت:- يختلف فن النحت في أسلوبه عن باقي الفنون فهو لا يتعامل مع الأشكال المسطحة مثل فن التصوير وإنما يتضمن أشكال مجسمة ذات أبعاداًً ثلاثة نجد أن المتعة الفنية التي تتصل بأعمال
النحت لا تأتي من خلال المشاهدة فقط وإنما عن طريق الملمس والحركة المجسمة أيضاًً ويشكل النحات الأعمال بيديه التي هي أقدر الوسائل لنقل الحس الفني العالي باللمس، إلي جانب استخدامه لبعض الخامات التي تنقل لدينا الإحساس بواقعية الشكل المنحوت ومن هذه الخامات: الرخام المصقول والخشب والصلب.
* النحت والفنون الأخرى:تتصل جميع الفنون ببعضها علي الرغم من اختلافاتها الجوهرية وكون اندراجها تحت مصطلح عام يسمي باسم الفنون يعطي لها طابع الارتباط أو الاتحاد إلي جانب عاملين آخرين، حيث نجد أن الفنون ترتبط ارتباطاًً وثيقاًً ببعضها من: 1- ناحية الجودة. 2- من ناحية الغرض الوظيفي أي أنه يمكن أن يؤدي نوعاًً من الفنون وظيفة نوعاًً آخر أي تبادل للوظائف والأغراض: فالعمارة يغلب عليها الطابع الزخرفي وقد يكون لها طابع تصويري كما في الجوامع والقصور، وقد اتحد فن النحت مع فن العمارة منذ قديم الأزل.
* استخدامات النحت:- قد تم استخدام فن النحت منذ قديم الأزل للوفاء بأغراض عديدة: 1- كغرض تذكاري وتخليدي. 2- كغرض تاريخي. 3- كغرض ديني. 4- وفي بعض الأحيان يستخدم كسجل لتدوين الموضوعات اليومية لبعض العادات المتبعة. إلا أن هذا الغرض الأخير استخداماته ضئيلة بالنسبة للموضوعات الأخرى المستخدمة إلي جانب الموضوعات الأدبية.
* الحجم وفن النحت:- تتدرج أبعاد التمثال المختلفة إلي بعدين: 1- بعد يزيد عن الحجم الطبيعي ليصل إلي الحجم الضخم وكثيراً ما يتواجد في أعمال النحت القديمة خصوصاًً تلك التي ارتبطت بفن العمارة مثل تمثال أبو الهول في
الحضارة الفرعونية المصرية القديمة. 2- بعد يقل عن الحجم الطبيعي ليصل إلي حجم أصغر من الحجم الطبيعي مثل العملات. ونجد أن الحجم في فن النحت يتأثر بالغرض الوظيفي ما لم يكن العامل الوحيد مثال: وظيفة تمثال خفرع الاجتماعية والمعمارية هي تخليد عظمة فرعون. وتخضع الأحجام أيضاًً في فن النحت حسب الخامات المتوافرة في مرسم النحات، وحسب إمكانياته المادية المحدودة.
* أنواع أعمال النحت:- تنقسم أعمال النحت إلي قسمين: 1- النحت المستقل: وفيه يتم رؤية التمثال من جميع النواحي. 2- النحت البارز.
* خامات النحت: - التيراكوتا (Terra Cotta): تعتبر من أقدم الخامات المستخدمة في النحت في عصور ما قبل التاريخ، كما استخدمها قدماء المصريين والإغريق والصينين وشعوب الهند علي مستوي فني عالٍ. ويتم فيها تجهيز الطينة الأساسية داخل إطار معدني ثم تحرق بطريقة لا تكلف كثيراً، وتتميز بسهولة الاستخدام وقوة تحملها حيث لا تتعرض للتلف أو التآكل أو التشقق إلا أنه يمكن كسرها لأي تصادم يقع عليها. ويمكن استعمال الطينات ذات الألوان المختلفة أو بإضافة طبقات من الطلاء الزجاجي حيث تثبت علي سطح التمثال أثناء عملية الحرق الثانية في الفرن المعد لذلك أو في الفرن العادي.
- البرونز والمعادن الأخرى (Bronze and other metals): وتم استخدام هذه المادة بعد استخدام الطين لفترة طويلة من الزمن لكن تاريخه يرجع الوراء حتى العصر البرونزي نفسه من 3000-1000 ق . م. وفيه يستطيع المثال عمل نموذجه الأصلي من الطين ثم صبه بمعدن البرونز دون أية صعوبة كما يمكن إعادة الصب مرات متعددة. والميزة الكبرى في ذلك المعدن هو قدرته علي التماسك وعلي الثني وعدم التشقق أو الكسر ويظهر تطبيق هذه الخامة بوضوح في عمل التماثيل التي بها انحناءات أو حركة.
* النحاس الأصفر (Brace): من الخامات التي تم استخدامها قديماًً حيث كان يطرق إلي ألواح معدنية أما اليوم فهو يستخدم في أعمال السباكة. ويتميز بدقة لمعان سطحه إلا أنه ينطفئ إذا لم يحفظ بطريقة جيدة.
- النحاس الأحمر (Copper): هذا المعدن له مزايا عديدة أتاحت له الاستخدام علي عصور التاريخ منها قابليته للطرق لأنه أكثر ليونة من النحاس الأصفر، ويقاوم التآكل عند تعرضه للجو، لا يتطاير عند صهره مثل البرونز، وبإضافة معدن الصفيح له يصبح أساساُ لجميع أنواع البرونز والنحاس الأصفر وغيرها من المعادن، وبتحويله إلي ألواح مثل الذهب والرصاص والقصدير والصفيح يمكن تشكيلها إلي أشكال مجسمة ذات أبعاد ثلاثة أو أشكال بارزة.
* الحديد (Iron): يمكن استخدامه كخامة من خامات النحت لكن بعد طرقه والذي يعرف باسم الحديد المطروق أو المطاوع، ويتم تشكيله بواسطة جهاز اللحام للحصول علي أشكال لها طابع خيالي.
* الصلب والألومنيوم (Steel &
Aluminium): ومن الخامات التي تلت ظهور الخامات القديمة في عصور ما قبل التاريخ والحضارات بأنواعها، حيث يزداد اكتشاف الخامات يوماًً بعد آخر.
* الحجارة (Stone): إن كانت الحجارة أكثر صعوبة في الاستعمال عن الطين الذي يمكن تشكيله وصبه بسهولة، إلا أنها أكثر بقاءاًَ من التيراكوتا كما أنها أكثر لمعاناًً من البرونز. وعلي الرغم من عدم توافر السرعة في إنجاز الأعمال بالحجارة إلا أنها تتميز بالقوة والصلابة وتتجاوب مع التيار المعماري وخير مثال علي ذلك تلك التماثيل والمعابد المنحوته من الحجر البازلت أو الجرانيت في الحضارة الفرعونية القديمة التي ظلت باقية حتى الآن منذ آلاف السنين.
* الخشب (Wood):للخشب عيوب ومزايا، إلا أن عيوبه تطغي علي مزاياه فهو مادة تتآكل نسبياً، وعرضة للتشقق نتيجة لتغيير درجة الحرارة، ويتقوس من الرطوبة، ويتفتت نتيجة لهجمات حشرة السوس. كما أن هناك بعض أنواع من الأخشاب تفرض طريقة لنشرها وتحد من حرية الفنان لطبيعة أليافها. ومن الناحية الأخرى نجده أخف وزناً من الحجر، وخامة تتجاوب مع أعمال الدهان، رخيص التكاليف، كما يمكن تطويعه بسهولة في الأشكال الصعبة التي توجد بها انحناءات أو حركة عميقة.
نصب لجنازة يوحنا الثالث والعشرون ج. 1435 Pietra سيرينا ماء التعميد ، فلورنسا

الملتحي النبي ج. 1418 والرخام ، والطول : 194 سم متحف ديل Duomo فلورنسا

خلال فترة زمنية قصيرة تفصل بين سان جورج في الفترة من الأول والمنحوتات المنفذة من قبل ],دوناتللو لبرج الأجراس من كاتدرائية سانتا ماريا دل فيوري. وتشمل النبي ملتحي ، انتقل مع النبي ، وإبراهيم وإسحاق ، وهما الآن في متحف ديل Duomo الأوبرا. بالمقارنة مع سان جورج هذا الفريق مختلف تماما التركيز. الملتحي النبي مستحيل ينقل المحتملة حرية الحركة في أعمال دوناتللو حتى هذه اللحظة ، وغير عادي واقعية في معالجة النبي انتقل مع وجهه هو رجل متأثر الفكر.


البشارة (تفاصيل) ج. 1435 Pietra سيرينا سانتا كروتش ، فلورنسا


مادونا مع الطفل 1448 برونزية ، الطول : 160 سم كنيسة دي Sant'Antonio ، بادوفا

وتم تنفيذ هذا النظام الأساسي للالسامي للمذبح كاتدرائية. فإن مادونا تتمثل كاهنة غامضة وهو يتصاعد من بين اثنين من وجوه يبتسم أبو الهول عند قاعدة لها العرش. ومن المحتمل أن هذا غير معتاد بالنسبة للتمثيل العذراء ، وذلك في شعور شرقية ، لا يجلس ولا يقف لكنها واقعة في لحظة الارتفاع ، استوحى دوناتللومن بعض الأيقونات البيزنطية.




رثاء حول المسيح الميت قبل 1456 برونزية 33،5 س 41،5 سم متحف فيكتوريا وألبرت ، لندن




الشمعدانات الملائكة 1430برونزية Musée Jacquemart - André ، باريس
مجازي الشكل من صبي
، وبالنظر إلى واجهة 1430s برونزية ، الطول : 104 سم متحف ديل القومية ، فلورنسا


تمثال القديس جورج

شُغل دوناتللو بنحت تمثال سانت جورج الرخامي، وكذا النحت البارز باسم سانت جورج يقتل التنين. والتمثال يصور القديس جورج يقف مسترخيًا كما لو كان يفكر. ويُظهر النحت البارز تحت قاعدة التمثال منظرًا طبيعيًا رائعًا.



Marzocco ج. 1419 الحجر ، الطول : 135،5 سم متحف ديل القومية ، فلورنسا

خلال نفس السنوات الأولى عندما منحوتات دوناتللو لبرج الأجراس من كاتدرائية سانتا ماريا دل فيوري وأعدم ، وانه اتخذ Marzocco ، شعار مدينة فلورنسا.وأشير في محفوظات سانتا ماريا دل فيوري باعتبارها حجر أسد توضع على قمة عمود من السلالم من البابا شقة سانتا ماريا في الرواية ، لزيارة البابا إلى فلورنسا مارتن الخامس في 1419.





الصليب 1412-13 الخشب ، 168 س 173 سم سانتا كروتش ، فلورنسا

الصليب الخشبي في كنيسة سانتا كروتش يرجع إلى دوناتللو، رغم أن هذا الإسناد لا تشترك فيها جميع مؤرخي الفن. فإن هذا العمل المثير للجدل أيضا. بعض العلماء تعتبرها واحدة من أولى منحوتات دوناتللو بينما يرى آخرون أنه أعدم حوالي 1425. دراسة تقترح يقنة صناع التماثيل من تاريخ 1412-13.



إيمان 1427-29 برونزية ، الطول : 52 سم ماء التعميد ، سيينا





أمل 1427-29 برونزية ، الطول : 52 سم ماء التعميد ، سيينا


في 1427 نفذ ],دوناتللو هيرود وليمة ، والبرونزية للإغاثة ، من أجل الخط بالتعميد في كاتدرائية سيينا. كما أعدم اثنان من التماثيل الصغيرة والإيمان والأمل ، لركن من الخط. وتظهر هذه التماثيل غنائية سماح التي تختلف عن الإغاثة من هيرود يمة ، مما يوحي بأن له المؤقتة بالتعاون مع Ghiberti على زخرفة من الخط دوناتللو قد تسببت في وقت سابق للعودة إلى وسائل التعبير التي كانت مهجورة منذ زمن طويل






ويزهو هيكل بازيليكا دل سانتو "أي القديس" في بادو بما يزيّنه من نقوش دوناتللو البارزة على البرونز التي جاءت على قدر كبير من البراعة والجمال والرقّة سواء في تمثيله لرموز أصحاب الأناجيل الأربعة أو للملائكة يعزفون على الآلات الموسيقية المختلفة

القديس يوحنا المعمدان 1438 لوحات خشبية ، الطول : 141 سم سانتا ماريا ، البندقية
رموز أصحاب الأناجيل الأربعة.









الملائكة يعزفون على الآلات الموسيقية المختلفة.
وثمة تمثال خشبي أنجزه دوناتللو عام 1454 لمريم المجدلية قد يبدو لنا بعيداً كل البعد عن مُثُل عصر النهضة حتى يخيل إلينا لأوّل وهلة أنه ردّة إلى تماثيل "التعبّد الفردي" القوطية على غرار تمثال العذراء الأسيانة ، ولكنّا ما نلبث أن نفطن إلى أن الملامح المطموسة لمريم المجدلية تعكس وجهة نظر دوناتللو الدينية التي نلحظها في أعماله المبكرة مثل تمثال "الأصلع" [زوكّوني] الذي أنجزه عام 1423 ومن ثمّ فهو ليس ردّة إلى القوطية السالفة، فإن أثر ذاتية الفنان في هذا النمط الذي ابتدعه بِأَخِرَةٍ يؤكّد ما شاع عن دوناتللو باعتباره رائد العبقريات الفذّة بين فناني عصر النهضة.



القديسة مريم المجدلية - تفصيل- من الخشب 1454. معمودية فلورنسا.

أما تمثال دوناتللو الشهير المعروف باسم الفارس جاتّاميلانا Gattamelata أحد قادة جمهورية البندقية فهو أوّل تمثال من البرونز بمثل هذه الضخامة منذ عصر الإمبراطورية الرومانية وينتصب بمدينة بادوا حيث عمل دوناتللو خلال عشرة أعوام بين 1443 و1453. وما من شك في أنه استوحى تصميم هذا التمثال من تمثال الإمبراطور ماركوس أوريليوس الذي شاهده دوناتللو ممتطياً صهوة جواده أثناء رحلته إلى روما. وأغلب الظن أن دوناتللو قد شكّل جواده (على غرار الجياد المنتصبة فوق مدخل كنيسة القديس مرقص بالبندقية القريبة من مدينة بادوا، والتي يرجّح أنها ترجع إلى عهد نيرون. وثمّة لمسات كلاسيكية أخرى نتبيّنها في الصدرية المدرعّة القصيرة على غرار الصدريات العسكرية الرومانية وكذا في التكوين الفنّي العام. وقد راعى الفنان الناحية التشريحية في جسد الجواد إلى حدّ كبير، فتناول المستويات المتفاوتة لإهاب الجواد وللسرج الجلدي والدرع المعدني بحذق وإتقان شديدين فبلغت جميعاً روعة الإتقان








كانت أجسام دوناتللو تنطوي على طاقة عنيفة مكبوحة، وكانت أكثر موضوعاته تدور حول أبطال من الشباب اشتهر عنهم مقاومة البطش والطغيان بمفردهم كيوحنّا المعمدان وجوديت (يهوديت) وهي تحزّ عنق هولوفرنيس والنبي داوود. وكان تمثال داوود الذي ينتصب وحده بخوذته المزيّنة بالزهور في فناء قصر مديتشي أو تمثال عار طليق الحركة نُحِت في الغرب منذ العصر الكلاسيكي.


يوحنا المعمدان. كنيسة الدومو بسيينا.

يهوديت تحزّ عنق هولوفرنيس. متحف البارجيللو بفلورنسا.
داوود. أول تمثال عار طليق الحركة نحت في الغرب منذ العصر الكلاسيكي. المتحف القومي بفلورنسا.

وتسري في عروق هذا التمثال شاعرية رقيقة لم تظهر في تمثال "الصلع" على الرغم من أنه يرجع إلى نفس الفترة التي أعدّ الفنان خلالها التمثال الأخير.
وقصد دوناتللو أن يشكّل هذا التمثال ليشاهده الناس من جميع الزوايا، خارجاً بذلكَ على تقاليد التماثيل القوطية التي تنحت بغرض وضعها داخل الكوى أو لمجرد أن تكون حلية معمارية في المبنى. ويقف داوود في وضعة الواثق بانتصاره على خصمه جالوت، تقبض يده اليمنى على سيف وتمسك اليسرى بحجر، كما يوحي الوقار الكلاسيكي الطاغي على التمثال ووضعته وتجسيمه بتأثير النماذج المتأغرقة على دوناتللو. وثمة لمسات واقعية في الخوذة الشبيهة بقلنسوة الرعاة التوسكانيين تلقي على الوجه ظلّاً كثيفاً، كما تبرز خطوط الجسم بوضوح فتعكس بدورها شدّة مراس الفتى. على أن المفاجأة الرائعة التي تجلّت في هذا التمثال هي التجديد الذي أتى به دوناتللو واحتذاه غيره من بعده خلال عصر النهضة، وأعني به تحويل الملك العبراني إلى إله إغريقي، ولم لا وقد كان داوود في شبابه وسيماً جذاباً، وعلى نهج أبوللو قضى أول ما قضى على خصم مهول مرعب تحقيقاً لهدف نبيل، فضلاً عن أنه كان على غراره راعياً للشعر والموسيقى؟ وكانت صورة داوود المألوفة في فنون العصور الوسطى هي صورة الشيخ المسنّ الملتحي المتوّج وهو يعزف على القيثارة أو يقرع الأجراس الموسيقية، وإن لم تندثر صورة داوود الشاب تماماً، إلا أن خيال دوناتللو العبقري الجامح هو الذي رآه في صورة إله كلاسيكي ليس هو أبوللو بقدر ما هو ديونيسوس غلاماً، بابتسامته الحالمة ووضعته اللدنة. وتكاد رأس جالوت الملقاة تحت قدميه تكون هي رأس الساتير القديمة التي طالما رأيناها من حول ديونيسوس في تماثيله. ولا شك أن دوناتللو قد وقع بصره على أحد هذه التماثيل فزاوج بينها وبين أحد تماثيل أنتينوس الوسيم صفيّ الإمبراطور هادريانوس. غير أن هذه المصادر الكلاسيكية الواضحة التي أوحت إلى دوناتللو بتمثال داوود لا تنزع عنه كونه إنجازاً مبتكراً غير مسبوق في فنون تلك الحقبة. ومع ذلك فحتى نهاية القرن الذي ظهر فيه بقي تمثال داوود غريباً على الذوق الجاري المتعارف عليه، كما كان مختلفاً كل الاختلاف عن سائر منجزات دوناتللو نفسه التي برز فيها نحّاتاً ينزع إلى التعبير الدرامي عن المواقف الإنسانية والعاطفية أكثر مما يعنى بكمال الجسد الإنساني. . ورغم ذلك نحسّ أنه قد اهتم في تمثال داوود مثل أي فنان يوناني من القرن الرابع ق.م. بذلك التماسك بين أعضاء الجسد وبالانتقالات بين أحدها والآخر، وهو ما يضفي على أجساد الفتيان الجاذبية الحسية.

على أن خروج دناتللو على قانون النسب الكلاسيكي جليّ في غير حاجة إلى دليل، فلقد جسّد في تمثاله فتىً حقيقياً اتخذه نموذجاً يضيق صدره عن اتساع صدور النماذج اليونانية كما تبدو أجنابه أشدّ ما تكون محاكاة أمينة للواقعية، والراجح أن نموذجه كان أصغر سناً من الفتيان الإغريق الممثلين في التماثيل الكلاسيكية. وحتى إذا تجاوزنا عن هذه الفروق العرضية فثمّة فارق جوهري في التكوين البنائي نفسه، ففي تمثيل العُري الكلاسيكي يعلو البطن النمطية التشكيل دائماً صدرٌ مستطيل مسطّح بعض الشيء هو ما سبق وصفه "بالدرع الجمالي"، على حين غدا الخصر في تمثال داوود بل وفي معظم أجساد عصر النهضة العارية بؤرة الاهتمام التشكيلي وعنه تتفرّع كافة مسطّحات الجسم الأخرى، أو أنه كما أسلفتُ المركز الأوحد الذي تشعّ منه محاور متعدّدة. ومع ذلك فنادراً ما لاحظ معاصرو دوناتللو هذا الاختلاف في النسب والتكوين البنائي، بل لم يسترع انتباههم غير عودة ظهور الإله الوثني على يديه، حتى قيل عنه وعن برونليسكي إنهما من أعادا اكتشاف أسرار العالم القديم التي يأتي في مقدّمتها سرّ جمال الجسد الإنساني.

وثمّة أسباب عدّة لتفسير ظاهرة انقضاء نصف قرن قبل ظهور تمثال شبيه بتمثال داوود، أوّلها الردّة إلى القوطية التي ظهرت بفلورنسا في منتصف القرن الخامس عشر عندما شاعت بدعة نسجيّات الحائط الزخرفية المرسّمة واللوحات المصوّرة المفرطة التنميق الوافدة من الأراضي الواطئة في أعقاب نزعة البطولة الإنسانية التي مهّد لها كل من دوناتللو ومازاتشيو. وثانيهما هو المزاج القلق المتوارث بين الفلورنسيين الذي جعلهم يتّجهون بعيداً عن النموذج الأبوللوني المجسّد للسكينة والوقار نحو النماذج المضطرمة بالحركة الجيّاشة. وهكذا غلب على أعظم فناني الجسد العاري في القرن الخامس عشر وهما بولا يولو وبوتتشيللي الاهتمام بتجسيد الطاقة في عنفوانها، فتارة يصوّر بولا هرقل وهو يصارع خصمه وتارة يصور بوتتشيللي ملاكاً محلّقاً في الفضاء، باستثناء مرة واحدة صوّر فيها جسداً عارياً للقديس سباستيان تغمره السكينة



دوناتللو

الاسم الكامل: Donato di Niccolò di Betto Bardi؛ 1386 - 1466) نحات إيطالي من فلورنسا، يعد من أشهر النحاتين إلى جانب مايكل أنجلو، ومن فناني إيطاليا المعروفين في القرن 15 وفي عصر النهضة الأوروبية.
عرف بنحته للشخصيات البشرية وقصصه الدرامية بعد أن درس النحاتة الرومانية القديمة ثم دمج أفكارها مع مراقبته الحادة والعاطفية للحياة اليومية. بمساعدة ألبرتي، وبرنلسكي، وماساتشيو، وأتشلو، ابتكر دوناتلو أسلوب النهضة الإيطالية التي عرضها على
روما و سيينا و بادوفا في مختلف المراحل من حياته. قدم الكثير في حياته، وبين عامي 1401 و 1461 كانت هنالك حوالي 400 إشارات وثائقية له.
وتكشف لنا سيرة دوناتللوعن تناقض ملحوظ مع معاصره جيبرتي الأكبر منه سناً، فعلى حين تناول دوناتللو جميع المجالات الممكنة في فن النحت وقدم لكل منها نماذج نالت صيتاً ذائعاً، التزم جيبرتي إلى حد بعيد بتخصّصه. وقد تميّزت أعمال دوناتللو بتعدّد أساليبها على نحو ما يتضح من تماثيله كما لازمه التوفيق على الدوام في تطويع موادّه لفنّه سواء أكانت من البرونز أو الخشب أو الرخام، ونحت التماثيل بنفس اليسر الذي حفر به النقوش البارزة على البرونز والرخام. وبينما اقتصرت معرفة جيبرتي بالنحت الكلاسيكي على النماذج المحلية وما أفاده من مطالعة كتابات فتروفيوس وغيره ارتحل دوناتللو بصحبة برونليسكي إلى روما لدراسة المنجزات الكلاسيكية العظمى، وكان لمزاجه الانفعالي العنيف وخياله الجريء المندفع أثر في نبذه ثرثره التفاصيل المعتمدة لدى الصيّاغ، ومن ثم اتسم فنّه بميسم العظمة المهيبة التي أزرت بعظمة جيبرتي حيث أصبحت بالقياس إليها لوناً من ألوان الحذلقة. وهكذا أفضت قدرة دوناتللو على التعبير الملحمي وطاقاته والهائلة وعنفه واندفاعه إلى أن تجعل منه السلف الحق لميكلانجلو.
انطلق دوناتللو مع صديقه برونليسكي إلى روما بعد أن خسر كلاهما مسابقة باب مبنى المعمودية الشمالي، حيث قاما بدراسة التماثيل والمعابد المتداعية واندفعا يقيسان نسبها، بل حاولا تصوّر كيفية ترميمها حتى خيّل لبعض معاصريهم أنهما كانا في الحقيقة يسعيان إلى الوقوع على كنز من النقود الرومانية المدفونة. وبهذا يمكن أن نعد كلّاً من دوناتللو وبرونليسكي أول علماء الآثار في عهد النهضة، فقد فتحت مكتشفاتهما الباب على مصراعيه للابتكارات التي تسللت إلى الأساليب الفنية. ويعد دوناتللو أعظم مثّال في دائرة برونليسكي دون منازع، وكان أكبر سناً من المصوّر مازاتشيو، وعلى غراره كان يسعى إلى استبدال الملاحظة الدقيقة للطبيعة بما جرى عليه أسلافه، فلم يكن عباقرة فلورنسا في مطلع القرن الخامس عشر راضين عن تكرار الأساليب القديمة المتداولة في القرون الوسطى، كالإغريق والرومان الذين كانوا موضع إعجابهم عكفوا في مراسمهم ومحارفهم على دراسة الجسد البشري. وقد حظي دوناتللو بشهرة ذائعة خلال حياته، فدعته المدن الإيطالية الأخرى مثلما دعوا جوتو الذي سبقه بقرن من الزمان ليضيف بدوره إلى جمالها. وكانت أشكاله على نهج أشكال مازاتشيو خشنة ذات زوايا، وإشاراته وإيماءاته عنيفة معبّرة لا تنطوي على أية محاولة لتلطيف أو تخفيف ما قد ينمّ عنه الموضوع الممثّل من عنف أو قسوة أو ظلم.





وتمثال دوناتللو المسمّى "لوزوكوني" أو الأصلع واحد من سلسلة التماثيل الرخامية التي أعدّها لكاتدرائية فلورنسا وبرج أجراسها الذي عهد إليه بتنفيذه عام 1424. وقد صمّم التمثال كي يستقر في كوّة بالطابق الثالث من برج الأجراس ليراه الناس على ارتفاع ستة عشر متراً ونصف من سطح الأرض. لذلك لم يغب عنه أن يشكّل أطواء الثياب وأخاديد الوجه بعمق حتى يتبينها الرائي من موقعه الأدنى مع الضوء، وقصد دوناتللو أن يقدم تمثالاً قوي التعبير لا مجرّد شكل جميل، فتعمّد إبراز عظام الشخصية الضخمة المنحوتة وعضلات ذراعيه المفتولين وحركة الرسغ الأيمن المتقبّضة والجهد البادي على أوتار العنق والحدة المرتسمة على الوجه. وما تزال شخصية صاحب التمثال مجهولة وإن تردّد أنه تمثال إما لحبقوق الذي عُرف بصلعته وإما لإرميا. وفي كل الأحوال هو تمثال لنبي عبراني يضرم صدره بنار الإيمان وخشية ربه، نبي من ذلك النوع القادر على الصيام شهوراً في الصحراء أو الانعزال وحده فوق قمة جبل أو إلقاء مواعظه المثيرة وهو واقف في كوّته يثير مشاعر الجماهير الضالة الغافلة ويحثّهم على الندم ويطالبهم بالتوبة. ويسترعي انتباهنا التأثير الكلاسيكي في مكاسر العباءة التي هي في واقع الأمر محاكاة طبق الأصل للتوجا الرومانية التقليدية، وكذا في ملامح الوجه وفي صلعة الرأس التي تذكّرنا بنماذج "البورتريه" الروماني. وبهذا التمثال نجح دوناتللو في خلق شخصية إنسانية فريدة فذّة دون أن يحذو حذو النماذج التقليدية. ويدلّ الاسم الذي اشتهر به هذا التمثال والذي أطلقه عليه أهل فلورنسا على رضاهم عن الأوصاف التي ارتضاها دوناتللو لهذه الشخصية الصلعاء.



الأصلع - لوزو كوني- متحف كنيسة سانتا ماريا دل فيوري. فلورنسا.

الخميس، 25 ديسمبر، 2008